نشأة الدول العربية بالمشرق والقضية الفلسطينية

 

 

مقدمة: عرف المشرق العربي تحت الحكم العثماني توغل الدول الاستعمارية قبل الحرب العالمية الأولى، وبعدها اصبح منقسما إلى عدة دويلات تسيطر عليها كل من فرنسا و ابريطانيا. وخاضت شعوبها صراعات متواصلة ضد الاستعمار، مكنتها من نيل استقلالها. وساعد الاستعمار الإنجليزي على قيام دولة إسرائيل بفلسطين، دعمتها الولايات المتحدة في حروبها ضد العرب. لكن قيام الانتفاضة الفلسطينية، دفع إسرائيل إلى التفاوض مع الفلسطينيين على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام.  

 

 

الظروف العامة لنشأة الدول العربية بالمشرق العربي

 

1) الاستبداد التركي والقومية العربية

 

 نتيجة للتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي عرفها المشرق العربي في أواخر القرن19 و بداية القرن20، برز الوعي بضرورة التحرر من الاستبداد التركي وتطورت فكرة القومية العربية. واستمرت سياسة التتريك رغم قام حزب الاتحاد والترقي بانقلاب أطاح بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وإعادة الدستور للبلاد سنة 1908. وطالب المؤتمر العربي الأول المنعقد بباريس 1913 بإقامة كيان عربي للتمكن من مواجهة أطماع الاستعمار بالمشرق العربي.

 

2) اندلاع الحرب العالمية الأولى واستمرار التوغل الاستعماري

 

 كانت الدول الاستعمارية (فرنسا،ابريطانيا،ألمانيا) تتمتع بامتيازات في المشرق العربي. وجعلته سوقا لتصريف منتجاتها الصناعية وموردا المواد الأولية الفلاحية والمعدنية. وكانت تؤثر في سياسة الباب العالي انطلاقا من سياسة القروض وتأطير الجيش العثماني وتزويده بالأسلحة. ولما اندلعت الحرب ع.1، سارعت فرنسا وابريطانيا لفرض سيطرتهما على المشرق العربي، خاصة عندما برز التحالف العثماني الألماني. وأعلنت ابريطانيا  حمايتها على مصر والكويت في1914. وحرضت العرب على القيام بالثورة ضد الأتراك. وتمكنت من استمالة شريف مكة الحسين بن علي أمير الحجاز، بعد مراسلات متعددة بينه وبين المندوب السامي البريطاني في مصر(هنري ماكمهون). ووعدت الشريف حسين بالاعتراف به كخليفة لدولة عربية مستقلة عن العثمانيين. وقام بثورة في 1916، واستقل عن الباب العالي. وقاد ابناه فيصل وعبد الله الجيش العربي بالشام بمساعدة الضابط الإنجليزي لورانس قصد مواجهة العثمانيين. وأصبح هذا الجيش تحت قيادة الجنرال ألنبي، مما ساعد على انهزام العثمانيين في الحرب وتوقيع هدنة مودروس( أكتوبر1918).

 

3) تنكر ابريطانيا لوعودها واقتسام الشرق العربي مع فرنسا

 

 خلال الحرب ع.1 عقدت الدول الاستعمارية(فرنسا، ابريطانيا،روسيا) إتفاقية سايكس بيكو، بشكل سري، لتقسيم أراضي المشرق العربي، فضحها الحزب البلشفي عندما سيطر على السلطة في 1917. وأعطت ابريطانيا وعدا لليهود بإقامة دولتهم بفلسطين(وعد بلفور 1917) مقابل ضغط اللوبي الصهيوني على الحكومة الأمريكية للمشاركة في الحرب إلى جانب دول الوفاق. كما منحت ابريطانيا وعدا لعبد العزيز آل سعود حاكم إقليم نجد بالاعتراف به حاكما مستقلا إذا ساعدها في الحرب ضد العثمانيين. وبنهاية الحرب العالمية الأولى وانهزام العثمانيين تحولت وعود الاستقلال إلى استعمار إنجليزي لفلسطين والعراق، بالإضافة إلى عدن والإمارات والمشيخات الخليجية ومصر، واستعمار فرنسي لسوريا ولبنان، بعد اتفاق الدولتين(فرنسا و ابريطانيا) في مؤتمر سان ريمو1920، والذي توجته عصبة الأمم في1922 تحت فكرة الانتداب. وبذلك تجاهلت الدول الاستعمارية المطالب القومية للعرب التي خرج بها المؤتمر السوري العام الذي عقده القوميون العرب بدمشق في ماي1920.

 

 

تطور الأوضاع العامة في بلدان المشرق العربي والإتجاه نحو الإستقلال 

 

1) مواجهة دول المشرق للاحتلال والاستغلال الاقتصادي

 

أ): كفاح الحركات الوطنية ضد الاستعمار:

 

 قامت في سوريا ولبنان حركات وطنية ضد الانتداب الفرنسي، أهمها الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش. ونتيجة لاستمرار المقاومة ، اضطرت فرنسا إلى منح الاستقلال لسويا ولبنان بشكل تام سنة1946، بعد اعترافها به بموجب معاهدة1936. وفي الأردن عينت ابريطانيا الأمير عبد الله بن الحسين على إمارة شرق الأردن طيلة مابين الحربين، تحت الانتداب البريطاني. لكن الحركة الوطنية الأردنية طالبت بالاستقلال، مما دفع ابريطانيا إلى توقيع معاهدة التحالف الأردنية الإنجليزية سنة1946 والتي اعترفت باستقلال المملكة الأردنية الهاشمية. وفي العراق عينت ابريطانيا فيصل بن الحسين، الذي تعهد بضمان مصالحها بالمنطقة، بموجب معاهدة1922. وفي سنة 1924 أحدث دستورا وكون حكومة من الأعيان، مما أدى إلى قيام حركة معارضة، دفعت ابريطانيا إلى الاعتراف باستقلال العراق في 1930، مقابل احتفاضها بقواعد عسكرية وإدارة وتدريب الجيش العراقي. ولم تتحرر البلاد بشكل تام إلا بعد قيام ثورة الضباط الوطنيين في 1958 وإعلان الجمهورية العراقية. وفي مصر قامت حركة وطنية تزعمها حزب الوفد. وبعد انتفاضة 1919، منحت ابريطانيا استقلالا شكليا لمصر بموجب إعلان فبراير1922، تحتفض بموجبه بامتيازات عسكرية واقتصادية في مصر، مع استمرار استعمارها للسودان. ووافقت حكومة الملك فؤاد الأول على ذلك، لكنها وجدت معارضة من طرف حزب الوفد بزعامة سعد زغلول، ومقاومة مسلحة من طرف السودان. وبظهور بوادر الحرب العالمية الثانية، قامت ابريطانيا بمفاوضات مع حزب الوفد وتم توقيع معاهدة 1936 التي منحت مصر استقلالا مشروطا ببقاء القوات البريطانية لمدة 20 سنة، وعدم إبرام اتفاقيات أو معاهدات مع الدول الأجنبية إلا بموافقة ابريطانيا. واتفق على حكم ثنائي في السودان بين مصر وابريطانيا. وبعد الحرب العالمية الثانية، طالب المصريون بجلاء القوات الإنجليزية وتوحيد بلاد النيل (مصر و السودان). لكن حزب الأمة السوداني طالب باستقلال بلاده. وبقيت منطقة وادي النيل على هذه الوضعية حتى اندلاع ثورة الضباط الأحرار سنة 1952 بقيادة جمال عبد الناصر وإعلان الجمهورية المصرية. وانسحب الإنجليز في 1954، وأعلنت السودان استقلالها سنة 1955.

 

ب) الاستغلال الاستعماري لدول المشرق العربي:

 

 قامت الدول الاستعمارية بتركيز نفوذها الاقتصادي بالمنطقة، وعملت على استغلال ثرواتها الطبيعية والبشرية. وعملت على تغيير العملة العثمانية في مناطق نفوذها. وفرضت ضرائب مختلفة على السكان، و وزعت الأراضي على الفلاحين الكبار المرتبطين بالاستعمار قصد الاهتمام بالمزروعات التسويقية كالقطن والحرير. وخضع الفلاحون الصغار لمختلف أنواع الاستغلال. وشجعت الدول الاستعمارية على ظهور صناعات خفيفة بالمنطقة كالنسيج وصناعة السجاير والخمور، فتضررت الصناعات التقليدية المحلية بسبب المنافسة، وتدهورت أوضاع عمالها. أما المبادلات الخارجية، فكانت محتكرة من طرف الدولتين المستعمرتين(فرنسا وابريطانيا). وتتمثل في تصدير الحبوب والقطن والجلود والتمر، وفتح الأسواق العربية أمام منتجاتها الصناعية، مما أدى إلى تدهور اقتصاد المشرق العربي.

وحاولت الولايات المتحدة التوغل في المنطقة بأساليب مختلفة قصد استغلال بترول الشرق الأوسط. وعقدت في 1924 اتفاقية مع ابريطانيا للسماح للرعايا الأمريكيين بإنشاء مؤسسات تجارية وتعليمية بفلسطين، واتفاقية مماثلة مع فرنسا لنفس الأهداف في سويا ولبنان.

 

 

2): التحولات السياسية والاقتصادية بالجزيرة العربية  

 

أ ) التحولات السياسية:

 

 كانت معظم سواحل الجزيرة العربية بالجنوب والشرق تحت الحماية الإنجليزية. وبقيت المناطق الداخلية مقسمة إلى إمارات. وتمكن عبد العزيز آل سعود(1880 ـ 1953) من الانتصار على آل الرشيد الموالين للأتراك. وسيطر آل سعود على الحجاز بعد طرد الشريف حسين الهاشمي وأعلنوا قيام المملكة العربية السعودية سنة1933. وتمكنوا من إخضاع القبائل للسلطة المركزية، متبعين مبادئ الوهابية ومستفيدين من توفر البترول.

وظل شمال اليمن مستقلا عن العثمانيين، واعترفت به الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بموجب اتفاقية لوزان التي عقدت مع تركيا في 1923. لكن الإنجليز تدخلوا في حدوده، لعدم اعترافه بنفوذهم على محمية جنوب اليمن، والتي ظهرت بها حركة وطنية أرغمت ابريطانيا على الاعتراف باستقلالها تحت اسم( الجمهورية اليمنية الشعبية) سنة 1967، والتي توحدت مع اليمن الشمالي سنة 1986.

وعملت ابريطانيا على تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي بالإمارات والمشيخات الخليجية، خاصة بعد اكتشاف البترول بها. لطن تصاعد الحركات التحررية، دفع ابريطانيا إلى الاعتراف باستقلالها قصد الحفاظ على مصالحها، حيث اعترفت باستقلال الكويت في سنة 1961 والإمارات العربية والبحرين وسلطنة عمان في سنة 1971.

 

ب ) التحولات الاقتصادية:

 

 أهمها اكتشاف البترول في بلدان الجزيرة العربية والعراق، وتهافت الشركات الأجنبية وخاصة الأمريكية التي اقتسمت مع الشركات الفرنسية والإنجليزية أسهم شركة نفط العراق سنة 1928 (الشركة التركية للبترول سابقا، مؤسسة بلندن في 1911). ومنحت الدول العربية النفطية امتيازات هامة للشركات البترولية الأجنبية، مقابل الحصول على دفعة من المال عند التوقيع على عقود الامتياز، دون تحديد كمية النفط الخام المستخرج. وعملت الولايات المتحدة على تركيز شركاتها بالمنطقة خاصة في فترة مابين الحربين والحرب الباردة. لكن اعتماد دول المشرق العربي على مداخيل البترول لتنمية مشاريعها، دفعها إلى تأميم شركات النفط الأجنبية لاسترجاع سيادتها على ثرواتها الوطنية، الشيء الذي مكن العرب من استعمال سلاح حظر تصدير النفط سنة 1973 عقب حرب أكتوبر.

 

 الـتطورات العامة للقــضية الفلسـطيــنية

 

1) التمركز الصهيوني بفلسطين:

 

 ظهرت الحركة الصهيونية في أواخر القرن 19. وأهم منظريها ليون بنسكر و تيودور هرتزل، صاحب كتاب ( الدولة اليهودية/نشر في1895). وانعقد المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بال السويسرية في 1897. وأهم قراراته: اعتبار الحركة الصهيونية حركة عالمية هدفها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وبدأ التمركز اليهودي في المنطقة منذ بداية القرن20 عن طريق الهجرات. واستفادت الحركة الصهيونية من الحرب ع.1 حيث حصلت على وعد بلفور من ابريطانيا في1917. كما استفادت من الانتداب البريطاني على فلسطين. وكسبت عطف الحلفاء خلال الحرب ع.2 عقب الاضطهاد النازي لليهود في أوربا.

 

2) المقاومة الفلسطينية:

 

 عملت ابريطانيا عقب احتلالها لفلسطين على تركيز النفوذ الاقتصادي اليهودي بالمنطقة، حيث منحت امتيازات للشركات اليهودية الصناعية والتجارية. ووزعت الأراضي على المهاجرين اليهود، والذين حصلوا بسهولة على الجنسية الفلسطينية.

 

وبدأت المقاومة الفلسطينية منذ 1921 لمعارضة الاستيطان اليهودي والانتداب البريطاني. وتمثلت في تكوين جمعيات مثل جمعية مقاومة الصهيونية وإصدار الصحف مثل الكرمل و الرأي العام. وطالبوا بإنشاء حكومة عربية بفلسطين. لكن ابريطانيا رفضت، فاضطر الفلسطينيون إلى العمل المسلح منذ 1929 انطلاقا من القدس (ثورة البراق أو حائط المبكى). وفي 1936 قام الفلسطينيون بإضراب عام لمدة 6 أشهر، وامتنعوا عن دفع الضرائب وهاجموا المؤسسات الصهيونية والحكومية. وعملت ابريطانيا على تدريب وتسليح الجناح العسكري للحركة الصهيونية المعروف بالهاغانا. وبعد الحرب ع.2، أعلنت الدول العربية التي أنشأت الجامعة العربية في1945، أن قضية فلسطين هي قضية جميع العرب. وقامت ابريطانيا برفع القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في 1947، والتي صادقت على تقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى إسرائيلية وإلغاء الانتداب البريطاني. وبعد انسحاب ابريطانيا في 14 ماي 1948، أعلن عن قيام دولة إسرائيل. واعترفت بها الولايات المتحدة و الاتحاد السوفياتي.

 

3) الصراع العربي الإسرائيلي: 

 

 

قامت دولة إسرائيل على العنصرية وبدأت بتهجير العرب وإبادتهم. وخاض العرب ضدها عدة حروب، كانت نتائجها لصالح إسرائيل؛ قامت أولها في 1948، وتدخلت الأمم المتحدة لتحقيق الهدنة. ومن نتائجها تهجير السكان العرب وكسب اعترافات عدة دول، وقبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة في 1949. وفي سنة 1956 شاركت إسرائيل إلى جانب فرنسا وابريطانيا في العدوان الثلاثي ضد مصر، وتوسعت في غزة وسيناء. وفي 1967 وقعت حرب الستة أيام، واحتلت إسرائيل باقي أراضي سيناء وفلسطين ومنطقة الجولان وجنوب لبنان. وأصدر مجلس الأمن القرار 242، الذي لم يطبق حتى الآن وينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. وحاول العرب تحرير الأراضي المحتلة، فقامت حرب أكتوبر 1973. وتم تحرير قناة السويس وجزء من سيناء. وبقيت المناطق الأخرى تحت السيطرة الإسرائيلية نتيجة للدعم الأمريكي لإسرائيل.ورغم ذلك اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان أمام المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله.

 

4) المفاوضات الإسرائيلية مع دول المواجهة والفلسطينيين:

 

 بدأت المفاوضات بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، لتفكيك الموقف العربي أسفرت عن توقيع اتفاقية كامب ديفيد في شتنبر 1978 بين مصر وإسرائيل، فحصلت مصر على سيناء مقابل اعترافها بإسرائيل. وصعد الفلسطينيون مقاومتهم بجنوب لبنان، مما دفع إسرائيل إلى التدخل في لبنان سنة 1982. واضطر الفلسطينيون إلى المقاومة داخل الأراضي المحتلة، حيث اندلعت  انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987، والتي دامت أكثر من خمس سنوات. ومع تفكك المعسكر الشرقي، ونهاية الحرب الباردة، واندلاع حرب الخليج ضد العراق، انعقد مؤتمر دولي بمدريد سنة 1991، قصد تسوية النزاع في الشرق الأوسط على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام. واستمرت المفاوضات بين إسرائيل و الفلسطينيين، أسفرت عن إتفاق أوسلو واتفاق واشنطن المعروف باتفاق غزة وأريحا أولا.لكن إسرائيل نهجت سياسة التماطل واللامبلاة بما جاء في الإتفاقيات السابقة، أوالتي تلتها، كمارفضت تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وحتى اقتراحات الدول العربية الصادرة عن قمة بيروت الأخيرة، وأعادت اكتساح أراضي السلطة الفلسطينية ممارسة سياسة الإبادة والتهجير.

 

خاتمة:  رغم تحرر دول المشرق العربي وتوفرها على ثروات طبيعية هامة، فإنها لازالت تعاني من استمرار النزاع في الشرق الأوسط. ورغم ليونة الموقف العربي تجاه إسرائيل، فإن هذه الأخيرة تحاول عقد اتفاقيات منفردة مع دول المواجهة، مثل ما فعلت مع مصر والأردن، حتى تتفرغ لمشاكلها مع الفلسطينيين.

 

    ذ. بودينة عبد العزيز